صديق الحسيني القنوجي البخاري
56
فتح البيان في مقاصد القرآن
ماحيا للعقاب ، محصلا للثواب ، أو متابا إلى اللّه الذي يحب التائبين ، ويحسن إليهم أو فإنه يرجع إلى اللّه . وإلى ثوابه مرجعا حسنا ، وهذا تعميم بعد تخصيص . قال القفال : يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين ، ولهذا قال : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ ثم عطف عليه ، ومن تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين أيضا . وقيل أي من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله ، فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى اللّه متابا ، أي تاب حق التوبة ، وهي النصوح ، ولذلك أكد بالمصدر ومعنى الآية من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى اللّه فالخبر في معنى الأمر كذا ، قيل : لئلا يتحد الشرط والجزاء ، فإنه لا يقال من تاب فإنه يتوب ، وقيل : المعنى من تاب من الشرك وأدى الفرائض ، ممن لم يقتل ولم يزن فإنه يعود إلى اللّه بعد الموت حسنا ، يفضل على غيره ، ممن قتل وزنا ، فالتوبة الأولى رجوع عن الشرك ، والثانية رجوع إلى اللّه ، للجزاء والمكافأة . والأول أولى . ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات فقال : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة أو لا يحضرون الزور ، وهو الكذب والباطل ، ولا يشاهدونه ، وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين قال الزجاج : الزور في اللغة الكذب ، ولا كذب فوق الشرك باللّه ، قال الواحدي : أكثر المفسرين على أن الزور ههنا بمعنى الشرك والحاصل أن يَشْهَدُونَ إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف ، أي لا يشهدون شهادة الزور وإن كان من الشهود والحضور - كما ذهب إليه الجمهور - فقد اختلفوا في معناه ، فقال قتادة : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد ابن الحنفية : لا يحضرون اللهو والغناء . وقال ابن جريج : الكذب ، وعن مجاهد أيضا . وقيل ينفرون عن محاضر الكذابين ، ومجالس الخطائين ، فلا يقربونها تنزها عن مخالطة الشر ، وأهله ، وقيل أعياد المشركين ، وقيل النوح ، والأولى عدم التخصيص بنوع دون نوع من أنواع الزور بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنا ما كان ، وعن ابن عباس قال : إن الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام . وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ على سبيل الاتفاق من غير قصد مَرُّوا كِراماً أي معرضين عنه ، غير ملتفتين إليه ، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه ، والخوض فيه . ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش ، والصفح عن الذنوب ، والكناية عما يستهجن التصريح به قال ابن عباس : كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا مروا به ، يعني الصنم المذكور ، مروا كراما ، لا ينظرون إليه ، كقوله : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ القصص : 55 ] .